ابن ميثم البحراني

302

شرح نهج البلاغة

لشبهه بأعالي الجبل المنيع في علوّه ومنعته . وكذلك استعار لفظ التعطَّف لإقبال السعادات الدنيويّة والأُخرويّة عليهم بالإسلام وهى الَّتي عنى بالأمور . ولاحظ في ذلك مشابهة ذلك الإقبال بتعطَّف ذي الرحمة والشفقّة على غيره . وقوله : فهم حكَّام . إلى قوله : يمضيها فيهم . ظاهر ، وكنّى بكونهم لا تغمز قناتهم عن قوّتهم وعدم انقهارهم للغير ، وكذلك لا يقرع لهم صفاة . وهما يجريان مجرى المثل . ثمّ عقّب بتوبيخهم على قلَّة طاعتهم ، واستعار لفظ الحبل لما نظم بينهم من طاعتهم للَّه ورسوله ، وكنّى بوصف نفض الأيدي عن خروجهم من الطاعة وشدّة إطراحهم لها بكثير من أفعالهم ، وكذلك استعار لفظ الحصن للإسلام ووجه المشابهة كونه حافظا لهم من أعدائهم الظاهرة والباطنة كالحصن المضروب على أهله ، ورشّح بذكر المضروب ، وكذلك استعار لفظ الثلم لكسرهم الإسلام بأحكامهم الجاهليّة ومخالفتهم لكثير من أحكامه ونفّر عن تلك المخالفة بما يستلزمه من ذلك الثلم . وقوله : وإنّ اللَّه سبحانه قد امتنّ . إلى قوله : كلّ خطر . ترغيب في لزوم حبل الألفة والتمسّك به . والنعمة الَّتي امتنّ اللَّه تعالى بها في عقد حبل الألفة الَّتي لا يعرف أحد لها قيمة هي الألفة نفسها باعتبار ما استلزمه من المنافع العظيمة ودفع المضارّ وعلَّل عدم معرفة الخلق لقيمتها بكونها أرجح من كلّ ثمن وأجلّ من كلّ خطر وهى صغرى قياس ضمير تقدير كبراه : وكلّ ما كان كذلك لم يعرف أحد قيمته ، وصدق الصغرى ظاهر . إذ كانت تلك الألفة والاجتماع على الدين سببا عظيما في استعدادهم لسعادتي الدنيا والآخرة . وقوله : وعلموا . إلى قوله : بين خلقه . توبيخ لهم بانتقالهم عن الأحوال والأقوال الإسلاميّة إلى الأحوال الجاهليّة : أي قد صرتم بعد كونكم مهاجرين أعرابا ، ولمّا كانت الأعراب أنقص رتبة من المهاجرين وأهل المدن لجفاهم وقسوتهم وبعدهم عن الفضائل النفسانيّة وتعلَّمها وعن سماع ألفاظ الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ومجالسته واقتباس الآداب من أهل